السيد محمد تقي المدرسي

68

في رحاب بيت الله

أقول ؛ إن رحلة الإنسان الطويلة هذي ، كانت قدراً وقضاءً عليه ، وكان لابد له من اقتحامها . فهو لم يخلق كما خلقت الأشياء الأخرى ؛ من الحيوانات والنباتات والجمادات ، إنه سيلقى يوماً لا مفرّ منه ، وهو يوم القيامة ؛ يوم العدل المطلق ، حيث لا مناص له من مواجهته أو التملص عنه ، حيث لا ينفعه تمنّي العدم أو أن يكون تراباً . إن الإنسان يواجه في مرحلة حياته عقبات وعقبات ، كهوى النفس ووساوس الشيطان ومصاعب وضغوط الحياة ؛ إنه أشبه ما يكون بريشة وسط الأعاصير ، ولابد له أن يحلّق إلى الأعلى ، أو يسقط في الحضيض . ولا يمكن لهذا الإنسان المحاصر أن يحلّق دون أن يتزوّد ويتسلّح بزاد وسلاح التقوى ، لكي يثبت جدارته واستحقاقه للحياة وللوجود ، ومن ثم للخلود في النعيم . فإن كنت ذا عقل وحكمة فتزوّد وتسلّح ؛ ليوم يقول فيه المنافقون والمنافقات للمؤمنين والمؤمنات : انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ . . . ( الحديد / 13 ) . فالكلمات المجرّدة والأمنيات الواهية لن تنفع آنذاك . إن العاقل من الناس عارفٌ بأنه سائر في هذا الطريق ، وبأنه لا زاد له إلّا التقوى ، فهل يدعه إلى زادٍ آخر لا ينفعه ؟ وكان من طبيعة الإنسان أن يتهرب من الموت ، فإذا جاءه ليلًا تمنّى لو يؤخّر إلى الصباح ، وإذا جاءه صباحاً تمنّى لو يؤخر إلى الليل ، وذلك لأنه على نفسه بصيره ولو ألقى معاذيره . أما من كسر وحطّم هذا الحاجز الطبيعي من حوله ، فإنه لا يجد حرجاً في نفسه أن لا يهاب الموت ؛ بل وأبعد من ذلك ، حيث يتمنّى الموت لأنه أعدّ له